ابن رشد

224

تهافت التهافت

جهة ، لأنه قد بيّن القوم أن الواجب ليس فيه إمكان أصلا ، لأن الممكن نقيض الواجب ، وإنما الذي يمكن أن يوجد شيء واجب من جهة طبيعة ما ممكن من جهة طبيعة أخرى ، مثل ما يظن الأمر عليه في الجرم السماوي أو فيما فوق الجرم السماوي ؛ أعني أنه واجب في الجوهر ممكن في الحركة في الأين . وإنما الذي قاده إلى هذا التقسيم أنه اعتقد في السماء أنها في جوهرها واجبة من غيرها ممكنة من ذاتها . وقد قلنا في غير ما موضع أن هذا لا يصح ، والبرهان الذي استعمله ابن سينا في واجب الوجود متى لم يفصل هذا التفصيل ، وعين هذا التعيين كان من طبيعة الأقاويل العامة الجدلية ، ومتى فصل كان من طبيعة الأقاويل البرهانية . وينبغي أن تعلم أن الحدوث الذي صرح الشرع به في هذا العالم هو من نوع الحدوث المشاهد هاهنا وهو الذي يكون في صور الموجودات التي يسمونها الأشعرية صفات نفسية ، وتسميها الفلاسفة صورا . وهذا الحدوث إنما يكون من شيء آخر وفي زمان ، ويدل على ذلك قوله تعالى : أَ وَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ كانَتا رَتْقاً فَفَتَقْناهُما الآية . وقوله سبحانه : ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ وَهِيَ دُخانٌ الآية . وأما كيف حال طبيعة الموجود الممكن مع الموجود الضروري فسكت عنه الشرع لبعده عن أفهام الناس ، ولأن معرفته ليست ضرورية في سعادة الجمهور . وأما الذي تزعم الأشعرية من أن طبيعة الممكن مخترعة وحادثة من غير شيء فهو الذي يخالفهم فيه الفلاسفة من قال منهم بحدوث العالم ، أو لم يقل فما قالوه ، إذا تأملته بالحقيقة ليس هو من شريعة المسلمين ولا يقوم عليه برهان ، والذي يظهر من الشريعة هو النهي عن المفاحص التي سكت عنها الشرع ولذلك جاء في الحديث : « لا يزال الناس يتفكرون حتى يقولوا : هذا خلق اللّه ، فمن خلق اللّه فقال النبي عليه السلام : إذا وجد أحدكم ذلك فذلك محض الإيمان » . وفي بعض طرق الحديث : « إذا وجد ذلك أحدكم فليقرأ قل هو اللّه أحد » . فاعلم أن بلوغ الجمهور إلى مثل هذا الطلب هو من باب الوسوسة ولذلك قال : هذا محض الإيمان . المسلك الثاني هو أن نقول : وجود بلا ماهية ولا حقيقة غير معقول ، وكما لا يعقل عدم مرسل إلا بالإضافة إلى موجود يقدر عدمه فلا يعقل وجود مرسل إلا بالإضافة إلى حقيقة معينة لا سيما إذا تعين ذاتا واحدة فكيف يتعين واحد متميزا عن غيره بالمعنى ولا حقيقة له » ؟